رحلة شاقة ، لكنها ممتعة !

الحلقة الثانية

بقلم/ فضيلي جماع

الثلاثاء 24 ديسمبر 2019

صحونا باكراً. نسمات الفجر في لقاوة منعشة، فالمدينة تقوم على ما يشبه الوادي. مخضرة ، ويطالعك من بعيد جبل كمدة الطرين. وعلى مسافة قريبة يوجد جبل “اب تولو” الذي يضم في أحشائه ما يمكن أن نطلق عليه منجماً ضخماً من الحديد.

قبل مغادرة مدينة لقاوة العامرة ، كان لابد من تلبية طلب مدرستي بن مكتوم الثانويتين النموذجيتين للبنات والبنين. تذكرنا ونحن في ضيافة المدرستين عهود التعليم الزاهرة يوم كان للمعلم هيبة وللتربية وتلقي العلم قيمة. تذكرنا رياض علم وتربية مثل وادي سيدنا وحنتوب وخورطقت .. منتهى الإنضباط في صفوف الطلاب والمعلمين. أكرمت المدرستان وفادتنا ببعض الفقرات التي قدمها الطالبات والطلاب. ومن ثمّ غادرنا لقاوة ذات النسيج الإجتماعي المتماسك في طريقنا إلى مدينة الفولة حاضرة ولاية غرب كردفان.

نعيد ما قلناه من قبل عن وعور ة الطريق. بل أجزم أنّ ما سلكنا من لقاوة إلى الفولة ينافس في الرداءة ذات الطريق الذي سلكنا من بليلة إلى لقاوة. خيران ومطبات وحفر . فلنقل بأننا ما كنا نسلك طرقاً ، بل كان سائقوا سياراتنا المهرة أدرى بطبيعة الأرض ، وجغرافيا المنطقة. كان المهل ورفاقه من سائقي سيارات الدفع الرباعي يصارعون عجلات قيادة السيارات وهي تقفز وتهبط في تلك الوهاد الوعرة دون تذمر ولا شكوى. مرة أخرى حملت هم أخواتنا والزملاء الذين رافقونا في هذه الرحلة. نسيت أنهم سودانيون مثلي ، جرّب بعضهم السفر في بيئات ربما كانت أكثر وعورة. كانوا جميعاً أكبر من توقعاتي. يعلو وجوههم التبسم والإنشراح.

نصل مدينة الفولة حاضرة الولاية ليستقبلنا في مكتبه العامر اللواء الشاب عبد الله محمد عبد الله مبتسماً ومرحباً برحلة (الثقافة والسلام).. شاكراً لنا اختيارنا لولاية غرب كردفان كمسرح لرحلتنا ولقاء جماهير الولاية. وبأنّ الولاية بشقيها الرسمي والشعبي ترحب بمقدم هذه البعثة ترحاباً حاراً. شكرناه على ما قامت به حكومة الولاية من دعم لبعثتنا التطوعية لمشاركة ولايته احتفال شعبنا بمرور عام على انتصار ثورة ديسمبر – إحدى كبريات ثورات هذا القرن.

على مسرح جامعة السلام بالفولة تبادل نشطاء الفئات المدنية والسياسية والشعراء القصائد والكلمات. كان معظم الحديث يدور حول التناقض الرهيب بين ما تملكه واحدة من أغني ولايات السودان والبؤس الذي يعيشه مواطنوها في شح الخدمات، وعلى رأسها الطرق والعلاج والتعليم والكهرباء. توّج الفنان عبد القادر سالم ذاك اللقاء بباقة من أغنياته أطربت الجمهور .

غادرنا الفولة عصراً، لنسابق الشمس قبل غروبها، عسانا نصل مدينة بابنوسة قبل أن يسدل الليل ثوب ظلامه الدامس على الكون. لاحظ الزملاء والزميلات – ومنهم الروائي والناقد حامد بدوي بشير- التغير الملحوظ في طبيعة المنطقة كلما توغلنا في الإتجاه الجنوبي الغربي للولاية ، حيث كثافة الأشجار والنباتات. سبقنا الفنان عبد القادر سالم وفرقته بساعة كاملة لكنهم ضلوا الطريق، ليلتقوا من يضعهم في الإتجاه الصحيح. لحسن حظنا جميعاً أننا إلتقيناهم على مشارف بابنوسة، والظلام يغطي الوهاد الشاسعة إلا من أضواء الفوانيس في الخلاء الواسع. تلقتنا الفعاليات المختلفة بالهتافات وأهازيج الثورة عند مدخل المدينة. استراحة قصيرة في نزل المدير الإداري “أبو الديش” ، لنستحم ونستجم لساعة واحدة من وعثاء السفر ثم نلحق بالجماهير الغفيرة التي اكتظت بها ساحة مسرح الشباب في قلب المدينة.

تمثل مدينة بابنوسة منذ عقود مركز الوعي رغم الحرب التي شنت عليها من لدن الحكومات المختلفة والإستبدادية بصفة خاصة. فقد كانت ذات يوم هي مدينة الحركة النقابية بعد مدينة عطبرة. لذا ليس غريباً أن يكثر خطباؤها من كلمات الإحتفاء بثورة ديسمبر وبالترحاب بنا. وفي الفقرة الإخيرة اعتلى الفنان عبد القادر سالم المسرح وبدأ الغناء. أكاد أجزم أن الكبار والصغار كانوا يرددون معه أغنياته ويشاركونه الرقص وترداد ملازم أغنياته. نزل عبد القادر سالم أكثر من مرة إلى الساحة مختلطاً بجمهوره ، كبارا وصغاراً. كانت أمسية ناصعة البياض رغم الليل البهيم. الشكر نزجيه للإخوة والزملاء في المواقع الإعلامية المختلفة على تغطيتهم الحفل، وأخص تلفزيون السودان القومي الذي قام بجهد مقدر في تغطية بعض فقرات لقاء بابنوسة. ونشيد بجهد مركز التهامي للإعلام وهو جهد فردي يقوم بتغطية الأحداث المحلية في المنطقة. أرجو أن يجد الدعم الحقيقي من وزارة الإعلام الإتحادية.

إنتهى حفلنا الكبير بعد الواحدة والنصف صباحاً. وكما تعودنا من سكان كل مدينة زرناها في هذه الرحلة الشاقة والممتعة أنهم لن يسمحوا لنا بالذهاب إلى أسرّتنا قبل أن نتناول وجبة خفيفة قبل النوم. أويت إلى فراشي وفي البال يوم غدٍ الإثنين الخامس والعشرين من ديسمبر حيث تصل رحلتنا آخر المحاط.. مدينة المجلد، إحدى أقدم مدن المنطقة وأكثرها تنوعاً في النسيج الإجتماعي. هناك عشت طفولتي وصباي وبعض سنوات شبابي. وبين غدران وعتامير المجلد وسهول وأنهار بحر العرب – بين ضاحية اللو شمال شرق أبيي حيث ولدت ومنعرجات فروع بحر الغزال : الجرف، الدمبلوية ، قوليه وغيرها عشت سنوات صباي الباكر حيث جربت الظعن في بادية بكر. كانت الحياة سهلة وعذبة. وكان التعايش بين عشائر المسيرية وعشائر دينكا نقوك مثالاً للتعايش الإنساني في أرقى وأنظف حالاته، قبل أن يدخل الآخر إبن الوطن نفسه ليحدث الفتق في نسيجهم الإجتماعي الذي أعرف جيدا أنه ممكن رتقه وإصلاح ذات البين. لكني أعرف جيداً أن دون ذلك تصبب العرق وخرط القتاد. وطبعا دونه العمل المخلص الدؤوب والقراءة الجيدة للمستقبل..وأيضاً حسن النوايا.

نتابع في الحلقة الأخيرة

في الصور: لقاوة – دعينا إلى معرض المشغولات المحلية والتراثية الذي أقيم إلى جوار نزلنا/ ثم رقصة شعبية/ وفي الصورة الثالثة الزميلات إيماض بدوي وحنان نوري وصفاء الفحل يتبادلن دردشة مع مجموعة أطفال (جيل باكر).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.