رحلة شاقة، لكنها ممتعة!

 

دائرة السودان

بقلم/ فضيلي جمّاع
(الحلقة الأولى)

الإثنين 23 ديسمبر 2019

ضمتنا صالة السفريات الداخلية بمطار الخرطوم قبل طلوع الشمس. وجهتنا مطار بليلة – ولاية غرب كردفان. قيل لنا قبل يوم بأنّ الطائرة ستقلع في السابعة صباحاً. لم يكن مفاجئاً لنا أن السفرية ستتأخر لثلاث ساعات ونيف، إذ ليس في السودان ما هو أرخص من الوقت و….الإنسان!! كان الكثرة من رفاق ورفيقات الرحلة من السودانيين الذين لم يروا من غرب السودان أبعد من كوستي والأبيض. ضمت بعثتنا ثلة من الصحافيين والصحفيات والأدباء والنشطاء. جلهم من الشباب. رافقنا في الرحلة الفنان الدكتور عبدالقادر سالم الذي اطمأن باكراً لمغادرة فرقته الموسيقية بطريق أم درمان – بارا ، على أمل اللقاء بنا عشية ذات اليوم في مدينة لقاوة- أولى محاط نشاط بعثتنا، البعثة التي أطلقنا عليها إسم (بعثة الثقافة والسلام) والتي تزامنت مع احتفالات البلاد بمرور عام على ميلاد ثورة ديسمبر – إحدى أميز الثورات العالمية في الألفية الثالثة. ضاءت الإبتسامات على وجوه الكثيرين ، ربما لأن الكثرة منهم ذاهبون إلى جزء من وطنهم لم يروه من قبل. أو ربما لأنّ إجراءات المطار الداخلي (صالة الحجيج) كانت مرنة ، مما ذهب ببعض ملل الإنتظار . ولعلّ من حسنات الإنتظار أن منحنا الفرصة لمزيد من التعارف بزملاء وزميلات الرحلة. لم تزد سفريتنا إلى مطار بليلة (إحدى محطات إستخراج النفط بولاية غرب كردفان) لم تزد عن الساعة وعشر دقائق. إقلاع سهل وهبوط ناعم (بالمعنى الإيجابي للكلمة)!!

..وبدأت الرحلة الشاقة والمفاجآت السارة:
فوجئنا – ونحن ندلف إلى صالة الإستقبال في مطار بليلة- بوفود من محليّات لقاوة والفولة وبابنوسة والمجلد- يحملون لافتات الترحاب بنا ويرددون هتاف : حرية ، سلام وعدالة.. مدنية خيار الشعب!! ألقوا كلمات الترحيب ببعثتنا. شكرناهم على تكبدهم المشاق وحسن استقبالهم لنا. كانت ثلاث سيارات دفع رباعي وسيارة حراسة عسكرية بانتظارنا لتقلنا من مطار بليلة إلى مدينة لقاوة حيث ضربة البداية لرحلتنا.

حسب بعض زملاء وزميلات البعثة أنّ رحلتنا ستكون نزهة كردفانية ممتعة! أصابوا وأخطأوا التأويل. فمنذ أول عشرين كيلو متراً بالبر أدركوا أنّ الطبيعة الخلابة حولنا لا طرق معبدة فيها ولا يحزنون. وأننا إنما نشق الفيافي والدروب الوعرة. من بليلة وحتى نهاية الرحلة لم نر متراً واحداً من الأسفلت.. بل كان طريقنا حفراً ومطبات وخيران يابسة تشقها ممرات للماشية. اللواء الشاب عبدالله محمد عبد الله والي الولاية – ودون أن نطلب عون ولايته – أحسن تقدير ما تحتاجه رحلتنا في المقام الأول: المواصلات. له الشكر رغم إنه يرى أن ذلك واجب حكومة الولاية. في أغنى ولاية بالسودان (الولاية التي تنتج كل نفط السودان إضافة إلى الثروة الحيوانية الهائلة إلى جانب الصمغ العربي والذهب والحديد في جبل اب تولو) ليس هنالك شارع أسفلت واحد !!
فليشرح لي ساسة وأفندية المركز كيف لا نجد العذر لحملة السلاح في بيئة كهذه؟

..وتنطلق قافلتنا صوب لقاوة. مساحات شاسعة من الأراضي البور التي لو زرعت بها حجراً لاخضوضر واعشوشب. بدأ موسم الجفاف لكن الخضرة تلوح في أشجار العرد واللالوب والغبيش التي تحفنا من كل جانب. نذهب عدة أميال ثم نرى بعض الفرقان (مخيمات البدو). لا وجود لآبار إرتوازية. لا مظهر لحياة المدينة ولو في مركز صحي صغير. وقد تتساءل: من أين يشرب أولئك الناس وقطعان ماشيتهم؟ ترافقك علامات الإستفهام طوال الرحلة. لكن حكومات المركز وعبر ما يفوق الستين عاما من استقلال البلاد تعرف كيف تجبي منهم الضرائب. أما العائد فهو التهميش التام ومخلفاته من أمراض الملاريا والتايفويد وهلم جرّا.

تقوم بنا سيارات الدفع الرباعي من مطب لتهبط في مجرى قديم. الغبار الكثيف يحجب السيارة التي أمامك والأخرى التي خلفك. ويلح السؤال: ماذا كنا سنفعل لو لم تتيسر لنا سيارات مثل هذه؟ وأطرح سؤالاً على جاري: هل عرف الخواجات الذين صنعوا هذه السيارات أنها ستطوي أودية وسهوباً وأحراشاً ، وأنها ستقطع عشرات الأميال دون أن تلامس شبراً واحداً من الأسفلت؟

ثلاث ساعات إلا الربع، وتلوح لنا قرية في أطراف لقاوة. تشتد الحر ، لكن المفاجأة أن مواطني القرية وتلامذتها يتلقوننا بأهازيج الثورة : حرية سلام وعدالة .. مدنية خيار الشعب. نتوقف لخمس دقائق لتحيتهم ، ثم يتقدموننا إلى داخل المدينة حيث الزغاريد والطبول والهتافات بالثورة والقصاص لدماء الشهداء! قلت في أعماقي: واهِمٌ من يحسب أنّ عجلة التاريخ ستعود أدراجها إلى المربع الأول.
بناتنا أقوى مما حسبت !

ما حملت هماً في بداية هذه الرحلة مثلما حملته للزميلات الصحافيات والناشطات اللائي انضممن للبعثة عن طيب خاطر، وعددنها جزءاً من ضريبة الوطن. كنت كواحد من أبناء جغرافية تلك المنطقة أعرف مشقة السفر باللواري والدواب التي رافقتني منذ نعومة أظفاري حتى وقت قريب. فجمال طبيعة كردفان – وبالذات غرب كردفان ذات مناخ السافنا الغني – جمال الطبيعة هناك لا يعني أن التنقل فيها نزهة وراحة بال. خفت عليهن من مشقة رحلة سنطوي فيها مئات الأميال ، وسنقوم حيالها بنشاط ثقافي وفني مكثف في خمسة أيام فقط. ما أفرحني هو أن الأخوات : حنان نوري ونجاة عثمان وإيماض بدوي وصفاء الفحل كن بدرجة من تحمل مشاق الرحلة أعادت لي الطمأنينة بنجاح برنامج بعثتنا.

نعمنا بضيافة معتمد محلية لقاوة حيث الاستراحة النظيفة والخدمات الطيبة. وصلنا النزل عصراً. كان أكثر من حمل هموم ما تبقى من وقت في لقاوة الفنان عبد القادر سالم. لأنّ إحدى السيارتين اللتين تحملان العازفين والمعدات تعطلت في طريق ام درمان بارا. لكن وبجهد كبير استطاع أن يسد النقص بموسيقيين محليين. كان حشد من الجمهور قد ملأ الساحة. تبادل النشطاء إلقاء الكلمات حول الثورة وما يطمح إليه شعبنا من بنية تحتية وخدمات. ألقى بعض الشعراء والشاعرات قصائد ثورية ألهبت حماس جمهور الحفل. شارك في الأمسية بالإلقاء الشعري كل من الشاعرة والتشكيلية نجاة عثمان والشاعرة الصحفية إيماض بدوي والشاعرين الشابين بشير أبو سن ومصعب محمد عبد الحميد. كانوا جميعهم رائعين ومميزين. وقد لفت انتباه الكل الشاعر الشاب بشير اب سن ومقدرته في الإلقاء. جيل جديد ولغة وأسلوب جديدان في قصيدة العامية والروح الثوري الذي يضعك وجهاً لوجه أمام طوفان جماهير شعبنا أيام مسيرات ومليونيات الثورة.

مسك الختام في أمسية لقاوة كان حواراً في الطرب الأصيل وإيقاعات المردوم والدرملي بين عبد القادر سالم وجمهور الحفل الذي شارك بالرقص رجالا ونساءاً شبابا واطفالاً. غنى عبد القادر لجمهور نبعت من عنده هذه الإيقاعات فلم يكن بدعاً أن يشاركوا بالرقص الأصيل وهو يصدح بأغنيات مثل (حليوة يا بسامة) و(كلم قمارينا) و (اللوري حلّ بي)!
رأينا الفرح يعود ساطعاً في وجوه الجميع وهم يتلقون هذه الجرعة من الطرب الأصيل. احتفوا بنا على طريقتهم المثيرة للإعجاب. حفاوة بلغت أقصى حد. وبلا امتنان أو احتكار للثورة مع أن لقاوة وقبلها بابنوسة هما المدينتان اللتان قدمتا أول تجربة في الإعتصام في العام 2014 م. إعتصمت بابنوسة لشهر ، ثم تلتها مدينة لقاوة بالإعتصام الشهير لسبعة وتسعين (97) يوماً. لكن يبدو أنّ ذاكرة صحافة ومثقفي السودان يصيبها الوهن أحياناً بحيث أنها لا تذكر أنّ الثورة عمل تراكمي، زحفت وتيرته صعداً من الأطراف في أقصي الغرب والشرق والشمال حتى وقع الإنفجار الكبير في الدمازين وعطبرة ثم عم طوفان الثورة العظيمة كل شبر من بلادنا. إنّ قراءة دفتر يوميات الثورة يقتضي الأمانة والحيدة والصدق إلى أقصى درجة. دعونا نؤرخ لهذه الثورة العالمية الضخمة التي مسرحها بلادنا- دعونا نؤرخ لها بكل حيدة ، وبكل شفافية.. فهي ملك أبنائنا وأحفادنا ، بل ستكون إرثاً للبشرية جمعاء.

نتابع في الحلقة القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.