زيارة الدبب بعد غياب (٧)

دائرة السودان-الخرطوم

بقلم/ حامد أحمد منان

  1. تناولنا في الحلقة الماضية معينات بعينها لابد من توفرها حتي تساهم في تحويل الدبب من مدينة تكاد تكون (فخذ) من المسيرية الي رحاب التنوع  الواسع، و المشارب الاثنية و الجهوية الموجودة في كل مدن السودان،  بالتالي تقل الثقافة الرعوية و القبلية المسيطرة. اهم تلك المعينات النشاط الإقتصادي الجاذب مع دولة جنوب السودان.

خلال وجودنا في الدبب لم نحضر اي لمة فرح حتي نستمتع بإيقاع نقارة او مردوم.  بهذه المناسبة الأهالي في المنطقة لا يستخدمون كلمة  (رقص) وصفا للنقارة او المردوم،عوضا عن ذلك يستخدمون كلمة (لعب). فيقال لعب الشباب النقارة و لعبنا المردوم.

لعلنا لم نسمع عبارة رقصة المردوم، و رقصة النقارة الا في وسائل الإعلام.  حال كل اللغات  ولهجاتها في بلاد الله الواسعة؛ تتبدل الكلمات و تتحور الأحرف الأبجدية بإختلاف الزمان والمكان و الإحتكاك الثقافي و اللغوي.
مثال آخر على ذلك، إذا سمعت احدهم يقول اكلنا (عيش) فعلم انه يعني اكلنا(عصيدة)، صحن العيش هو نفسه صحن العصيدة. اما العيش بمعني الخبز فيقال له (رغيف). اختلاف اللهجة و التعابير اللغوية في ديار المسيرية مقارنة بلهجة سكان الخرطوم و مناطق السودان الأخرى،  امر يطول النظر فيه، و باب واسع للدراسات اللغوية.

وجود القبيلة في موقع تداخل لغوي واثني مع قبائل الدينكا والنوير في جنوب السودان و قبائل النوبة في جنوب كردفان ادي الي التزاوج و التصاهر ،  تبعا لذلك انتقلت كثير من المفردات و اسماء الأماكن و المأكولات و غيرها الي صلب عامية المسيرية، تلاحظ ذلك من خلال الاسماء ذات الأحرف الغير عربية مثل كلمة (ناما) التي تردد ذكرها في المقالات السابقة، و مؤكد انتقلت كثير من مفردات العربية الي لغات تلك القبائل،اكثر مثال وضوحا اسماء الانهر التي ظهرت في خرائط الإنجليز فنجد بحر الغزال، وبحر الزراف و بحر العرب.

المسيرية يسمون انفسهم باسماء دينكاوية مثل دينج(دينق)،  منييل و اجول، و نانكير و غيرها كما نجد اسماء نوبة مثل كوكو،  و توتو ، و كاكا و غيرها من اسماء. في المقابل الدينكا و النوير في الولايات المتاخمة لغرب كردفان يتحدثون العربية بلهجة المسيرية.

حدثني احد الأخوة من نهر النيل، وهو سليل اسرة هاجرت الي كردفان و تعمل في التجارة منذ زمن طويل، انه كانت ظعائن المسيرية ذات ملامح عربية ظاهرة للعيان في ستينات القرن الماضي، و مؤخرا بعد ان عاد الي السودان لاحظ ان الدماء العربية تكاد تكون اختفت  في هذه الظعائن، وكأن الذين في ظهور الثيران قبائل أخري.

يبدؤ انه كلما تطاول الزمان قلت السحنات العربية امام السحنات النيلية (الداكنة) كما نراه اليوم، سبقتنا دارفور في ذلك التمازج، اذ تكاد كل قبائل الاقليم ذات ملمح واحد لا فرق ببن (عرب) و (زرقة). غير ان اللغة العربية السودانية ان جازت التسمية ستستوعب كثير من مفردات و تعابير تلك اللغات الإفريقية.

المردوم كإيقاع كردفاني، انتقل من اغاني و أهازيج الرعاة و الفرقان  الي الموسيقي الحديثة، و صار رافد من روافد القومية السودانية، إلا  ان طريقة رقصة النقارة ذات الإيقاع الصاخب، و الإهتزاز الجسماني العنيف،  فلن تعبر الي القومية، و يتقبلها السوداني في المدن كما تقبل  إيقاع الجراري الهادي، الذي صار مؤخرا وجهة تراثية لكثير من الفنانين الشباب و هي تجربة هامة و إضافة حقيقية للغناء السوداني.

الأيام الماضية كنت اشاهد عبر الواتساب فيديو لفتاة تلعب النقارة بإحترافية لا مثيل لها، تقفذ  و تحرك  جميع المفاصيل و العضلات، بصورة يعجز عنها الرجال ناهيك ان تفعلها النساء، أثناء المشاهدة، جاءني ابني و نظر الي الموبايل  ثم نظر الي و سألني متعجبا
ماذا تفعل  هذه المرأة؟ قلت له ترقص
ثم قال ولماذا ترقص هكذا!!
لم ادر ما اقوله له.
بمثل ما ان طريقة الرقص غريبة، فإن المفردة او العبارات المستخدمة أحيانا موغلة في المحلية و تحتاج الي ترجمان لمن هم خارج هذه الدائرة الجغرافية، و الصور الشعرية تمتاز بالرمزية.  يكاد يقتصر الشعر  علي ما يعرف بالشعر الغنائي او (الوجداني) الذي يدعو الي  الفخر و مدح الفرسان و نحو ذلك، المنتشر بين (الهدايين) و الحكامات و غناء المردوم، الذي يعتمد علي تكرار بيت او بيتي شعر متناغما مع تصفيق النساء و ايقاع ارجل الرجال.

لا اعلم مصدر كلمة (هداي)  التي يوصف بها الشاعر المحلي في غرب السودان، قد يكون  اصل الكلمة حداء (بضم الحاء) و تعني الغناء للإبل. و الاسم منها حداء (بكسر الحاء) و الجمع  حداة(بفتح الحاء) و من ثم قلبت الحاء هاء. نجد ان كلمة  (هداي) من المصدر هدية و هدايا و هذا المعني بعيدا عن مفهوم الغناء و الشعر.

المؤكد ان الثقافة و الفنون إنعكاس طبيعي لنشاط الإنسان و إنعكاس لنوع البيئة التي يعيشها؛ كلما تأثر المجتمع برافد ثقافي جديد كلما غير ذلك في نمط ثقافته و فنونه. بعد المسيرية الجغرافي عن مراكز الحضارة و نمط العيش الذي يقوم علي الترحال و البداوة، ساهم في خلق الإنعزال. مثلهم كمثل البركة التي انفصلت عن مجري النهر الرئيس. لكن ما ان يحدث وصل حضاري و ثقافي ستتعدل مفاهيم المجتمع و تبعا لذلك تتحول كل اشكال الفنون و الغناء و الرقص. و هذا الامر غير متعلق بالمسيرية وحسب بل كل اطراف السودان، خاصة المجتمعات البدوية المشابهة. دور الحكومة توفير البنيات التحتية من طرق و سكك حديد و مد جسور الإعلام المرئي والمسموع ليساهم في تسارع عجلة التحول.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.